{"source_type":"vicut","tiktok_developers_3p_anchor_params":"{"client_key":"aw889s25wozf8s7e","appVersion":"16.7.0","source_type":"vicut","product":"vicut","source_platform":"mobile_1","enterFrom":"new_image","os":"ios","capability_name":"capcut_photo_editor","editType":"image_edit","region":"LB","pictureId":"8309FE9F-FB15-4223-A4C3-3E4895FF977C"}","data":{"source_platform":"mobile_1","enterFrom":"new_image","capability_name":"capcut_photo_editor","product":"vicut","os":"ios","editType":"image_edit","source_type":"vicut","appVersion":"16.7.0","region":"LB","client_key":"aw889s25wozf8s7e","pictureId":"8309FE9F-FB15-4223-A4C3-3E4895FF977C"}}


في الرابع عشر من شباط، يستعيد لبنان ذكرى رجلٍ لم يكن مجرد رئيسٍ للحكومة، بل كان مشروعاً وطنياً عابراً للاصطفافات، ومهندساً لرؤيةٍ مؤسساتية أرادت عبور الوطن من ركام الفوضى إلى انتظام القانون وهيبة الدولة. نفتقد اليوم “رجل الدولة” الذي آمن بأن قيامة لبنان لا تستقيم إلا بترميم هيكل مؤسساته وتفعيل لغة الحوار، فكان يرى في نصوص التشريع أداةً للبناء لا وسيلةً للتعطيل، وفي ورشة الإعمار جسراً يربط طموح الأجيال بحقيقة الانتماء والعدالة الاجتماعية.
على الصعيد المؤسساتي، لم يكن رفيق الحريري يرمم الحجر فحسب، بل كان يعيد بناء “فكر الدولة”، فعمل على تحديث الإدارة العامة، وتعزيز دور القضاء، وإطلاق ورشة كبرى متعددة الآفاق تليق بلبنان الحديث. لقد استلهم من تجارب الحداثة العالمية أحدث النظم الإدارية والمالية ونفذها في لبنان، واضعاً البلاد على خارطة الاستثمار العالمي من خلال تأسيس هيئات ومجالس رقابية وتنفيذية أصبحت هي العمود الفقري للنهوض الاقتصادي، وآمن بأن سلاح العلم هو الرهان المؤسساتي الأكبر، فكانت قوافل الطلاب التي خرّجها هي استثماره الأغلى في كسر قيود الجهل وبناء جيلٍ مؤمن بالمؤسسة والكفاءة.
وفي خضم هذه الورشة السيادية، برزت شراكته التاريخية والصلبة مع دولة الرئيس نبيه بري، حيث شكّلا معاً صمام أمانٍ وطني، وركيزةً أساسية للاستقرار والتنسيق الدائم لصيانة المؤسسات الدستورية وحماية السلم الأهلي. كانت هذه الشراكة “الميزان” الذي حفظ التوازنات الدقيقة في أصعب المنعطفات السياسية، مؤكدةً أن بناء الدولة يتطلب تكاتفاً لا تصادماً.
لقد كان رفيق الحريري ظاهرةً إنسانية فريدة، فحتى لو اختلفتَ معه على بعض العناوين أو الرؤى، كنتَ تجد نفسك عاجزاً عن التصادم معه، لأن قلبه الكبير كان يتسع للجميع، ولأن لغة الاحترام لديه كانت تسبق لغة الاختلاف. كان صوتاً لا طائفياً مدّ يده للجميع بقلبٍ منفتح، ووقف بصلابةٍ مع المقاومة حتى رمقه الأخير، مدركاً بدبلوماسيته الرفيعة أن قوة لبنان تكمن في تلاحم شعبه وحقّه في الدفاع عن أرضه وحماية سيادته.
إن الإرث الذي تركه الراحل، والذي دفع من أجله أغلى الأثمان بدمائه الزكية، هو إرثٌ عصيٌ على النسيان، لأنه لم يُبنَ على الرمال، بل على مداميك من الرؤى الاقتصادية والقانونية والمؤسساتية التي سعت لجعل لبنان منارةً للشرق ومركزاً للقرار. رحل رفيق الحريري ورحل معه عصرٌ ذهبي، لكن بصماته في الإعمار والتشريع والوحدة الوطنية ستبقى هي المرجع والمنارة لكل من ينشد بناء وطنٍ عصيٍّ على الانكسار.

By jaber79

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *