كأنَّ البلدةَ كلَّها انحنتْ دفعةً واحدة، حين رأتِ الأبَ يُوارى الثرى وطفلَه معه، رأسٌ صغيرٌ اتّكأ حيث كان الأمانُ دائمًا… على صدرِ أبيه.
طفلٌ لم يعرِف الطريقَ إلى الكلام، لكنّه عرَف الطريقَ إلى قلبِ أبيه. في الحياة، كان صدرُه وسادتَه، وفي الموت صار قبرُه حضنًا أخيرًا. دُفن كما عاش، مُلتصقًا به، كأنَّ الفراقَ أمرٌ لم يتعلّمْه بعد، وكأنَّ اللهَ رأف ببراءتِه، فلم يتركْه يواجِه الظلمةَ وحدَه.
الأبُ رحل، لكنَّ ذراعَيه ظلّتا مفتوحَتَين. والطفلُ نام، لا خوفَ في وجهِه، لأنَّ القلبَ الذي كان يُطمئنه لم يبتعِد. أيُّ موتٍ هذا الذي يجمعُ ولا يُفرّق؟ وأيُّ فاجعةٍ هذه التي تُسكِت السؤالَ وتتركُ الدموعَ بلا صوت؟
اليومَ رأينا مشهدًا من كربلاء: أمٌّ ترفع طفلَها فوق يديها وتقول:
اللهمّ تقبّل منّا هذا القُربان.
عاد عليٌّ إلى صدرِ أبيه، لا ليُطلبَ له ماءٌ، بل ليُطلبَ للقلوب صبرٌ. هنا لا خطابةَ، لا عزاءَ مُكتملًا، فقط صدرٌ يحتضن صدرًا، وسماءٌ تعرفُ وحدَها لماذا كان هذا الوداعُ بهذه القسوة.
يانوحُ لم تبكِ كثيرًا، لأنَّ بعضَ الأحزان لا تُبكى. هي أحزانٌ تُحمَل في الصدور، وتُثقِل المشيَ، وتُغيّر ملامحَ الوجوه إلى الأبد. كلُّ أمٍّ ضمّت طفلَها أكثر، وكلُّ أبٍ خاف على قلبِه، وكلُّ روحٍ شعرتْ أنّ هذا الفقدَ يمسّها شخصيًّا.
رحمك اللهُ يا حسنُ وعليٌّ، اللذين لم يسمحْ لهما الموتُ أن يفترقا، وجعلَهما في رحمةٍ تُشبه هذا العناقَ، أوسعَ، وأدفأَ، وأبقى.
أمّا نحن… فنتعلّم كيف نعيشُ ومعنا هذا المشهد، لأنَّ بعضَ الصور لا تُغادر الذاكرة، بل تسكنُها. وسيروي التاريخُ أنّ في جبلِ عامل طفلًا دُفن على صدرِ أبيه حكايةَ عزٍّ وصبرٍ وإباء.
صدر داوود
صور في 10 شباط 2026
