في خضم التصعيد العسكري الذي يشهده الشرق الأوسط، وبينما تتجه أنظار العالم نحو حاملات الطائرات الأمريكية كأدوات للحسم والردع، برزت إلى السطح تقارير تتحدث عن أزمات “لوجستية” داخل الحاملة “أبراهام لينكولن”. ولعل المثير للسخرية في هذه التقارير ليس طبيعة الأعطال الفنية فحسب، بل توقيتها الاستراتيجي الذي جعل من “أزمة المراحيض” وتعب الأطقم البشرية مادة لنقاش جيوسياسي يتجاوز حدود الصيانة الدورية.
إن المحتج الأمريكي الذي يرفع ورقة “أعطال الصرف الصحي” ومعاناة البحارة من طول فترات الخدمة والغياب عن عائلاتهم، يضع نفسه في موقف حرج أمام منطق القوة العظمى. فمن الصعب إقناع المراقبين بأن الإمبراطورية التي تحشد ثلث قواتها في المنطقة لمواجهة نفوذ إقليمي متصاعد، قد تعثرت خططها فجأة بسبب “سيفونات” معطلة أو حنين جندي لزوجته. هذه الحجج، رغم واقعيتها التقنية الموثقة في سجلات البحرية الأمريكية منذ سنوات، تبدو في سياق التأزيم العسكري الحالي كذريعة واهية للنزول عن “شجرة التصعيد” دون فقدان ماء الوجه المبتل بمراحيض ليست على قدر مستوى الرفاهية.
الحقيقة التي تحاول واشنطن الالتفاف عليها هي أن استراتيجية الردع لم تعد تعمل بالريموت كنترول. فالحشد العسكري الهائل الذي يهدف للحفاظ على الهيبة، وصل إلى نقطة “الاستنزاف الصامت”. وعندما تجد دولة عظمى نفسها غير قادرة على احتمال “ضربة استراتيجية” واحدة قد تدمر قطعة بحرية بمليارات الدولارات، فإنها تبدأ بالبحث عن مخارج تقنية ناعمة. إن تحويل النقاش من “قدرة الردع” إلى “صيانة المراحيض” هو في جوهره محاولة للالتفاف على تآكل الهيمنة، فمن الأسهل سياسياً القول إن السفينة بحاجة لسباك، من الاعتراف بأنها أصبحت هدفاً سهلاً في معادلة عسكرية لم تعد تميل لصالحها بالكامل.
في نهاية المطاف، تبدو هذه “الأزمات الطارئة” غير طارئة على الإطلاق، بل هي مشاكل مزمنة استُحضرت الآن لتبرير التراجع أو إعادة التموضع. إنها كوميديا سوداء في عالم السياسة، حيث تصبح دورة المياه في حاملة طائرات هي المؤشر الحقيقي على حدود القوة، وحيث يكتشف العالم أن “البعبع” الذي يحشد الأساطيل قد ينسحب من الميدان ليس خوفاً من الصواريخ فحسب، بل هرباً من رائحة الأعطال التي تفوح من نظام لم يعد يحتمل ضغط المواجهة.

By jaber79

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *