،
في كل عام، ومع اقتراب 31 آب، تتجدد في الذاكرة صورة ذاك الرجل الذي لم يكن مجرد قائد ديني أو زعيم سياسي، بل كان روحًا تمشي بين الناس، حاملةً همومهم، ورافعةً رايات الأمل في وجوههم. الإمام موسى الصدر لم يكن يتحدث عن لبنان فقط كوطن، بل كان يتنفسه عشقًا، ويراه مشروعًا إنسانيًا، أرضًا للكرامة، وفضاءً للعدالة، ومرفأً للعيش المشترك.
كان صوته، حين يعلو في الساحات، يشبه نداء أمّ تحتضن أبناءها. وحين كان يخاطب الجنوبيين، كان يخاطب ذاته، فجنوب لبنان لم يكن بالنسبة إليه جغرافيا بعيدة عن قلب العاصمة، بل كان الجرح النازف الذي يوجع الوطن بأسره. حمل الجنوب في عينيه، ومشى في طرقاته المتعبة، ورأى في مستقبله المهدّد نداءً يفرض المقاومة والكرامة.
الإمام الصدر لم يحصر نفسه في محرابٍ أو منبرٍ ضيق، بل فتح أبواب فكره على العلم. آمن بأن العلم هو ضوء يبدّد العتمة، وسلاح يواجه الجهل والفقر والحرمان. رأى في التعليم طريق الخلاص، وفي الجامعة مدرسة الحرية، وفي المعرفة ساحة مقاومة لا تقل شأنًا عن ميادين القتال. كان يقول بلسان حاله: بالكتاب نقهر الظلم، وبالعلم نصون الوطن.
لم يكن الإمام الصدر زعيمًا عابرًا في تاريخ لبنان، بل كان مدرسةً قائمة بذاتها. مدرسةً تمزج الروح بالإرادة، العقل بالعاطفة، والإيمان بالعمل. أحبّ الناس بلا تمييز، ورأى في الوحدة الوطنية حصنًا لا يُكسر، وفي العدالة الاجتماعية واجبًا لا يُؤجل.
اليوم، ومع غيابه الحاضر، نستعيده لا كذكرى عابرة، بل كحقيقة متجددة. نستعيده في وجوه طلاب يرفعون أقلامهم سلاحًا، في صمود أهل الجنوب أمام الاعتداءات، في كل ساحة تصرخ بالعدالة، وفي كل صوت يرفض الانكسار.
الإمام موسى الصدر لم يغب يومًا، فهو حاضر في قلوبنا، وفي وعينا، وفي نبض وطن ما زال يتطلّع إليه. في 31 آب، كما في كل لحظة، نستحضره شعلةً تهدينا السبيل، ونجدّد العهد أن لبنان الذي حلم به الإمام سيبقى حيًّا نابضًا، مهما تكاثفت الجراح.
