بين الواقعية والدبلوماسية: تفسير الموقف الصيني من الهجوم الأمريكي المحتمل على إيران
بقلم المهندس احمد عباس
الملخص (Abstract)
تتناول هذه الدراسة الموقف الصيني من احتمال توجيه هجوم عسكري أمريكي ضد إيران، بوصفه حالة كاشفة لتحولات أعمق في بنية النظام الدولي وآليات إدارة القوة فيه. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن السياسة الصينية تجاه هذا السيناريو لا تقوم على دعم غير مشروط لإيران، ولا على حياد سلبي، بل على مقاربة مركّبة تجمع بين منطق الواقعية السياسية وأدوات الدبلوماسية متعددة الأطراف. وتحلّل الدراسة محددات هذا الموقف في ضوء المصالح الاستراتيجية الصينية، ولا سيما أمن الطاقة، ومشاريع الربط الجيوسياسي، والسعي إلى الحدّ من الهيمنة الأحادية الأمريكية، مع تجنّب الصدام العسكري المباشر. وتخلص الدراسة إلى أن الموقف الصيني يعكس محاولة واعية لإدارة الأزمات الإقليمية بما يخدم هدف الانتقال التدريجي نحو نظام دولي أكثر توازنًا وتعددية.
الكلمات المفتاحية
السياسة الصينية – الأزمة الإيرانية – الهجوم الأمريكي المحتمل – الواقعية البنيوية – الواقعية الدفاعية – الليبرالية المؤسسية – التعددية القطبية – النظام الدولي المعاصر
مقدّمة
يشكّل احتمال توجيه هجوم عسكري أمريكي ضد إيران أحد أكثر السيناريوهات إثارة للجدل في البيئة الاستراتيجية الدولية المعاصرة، لما يحمله من تداعيات تتجاوز الإطار الإقليمي لتطال بنية النظام الدولي ذاتها. وفي هذا السياق، تبرز الصين بوصفها فاعلًا دوليًا صاعدًا يتعامل مع هذا الاحتمال من منظور مركّب، يجمع بين حسابات القوة ومتطلبات الاستقرار الدولي.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الموقف الصيني من الهجوم الأمريكي المحتمل على إيران لا يمكن فهمه بوصفه موقفًا ظرفيًا أو ردّ فعل تكتيكي، بل باعتباره تعبيرًا عن مقاربة استراتيجية أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الواقعية السياسية مع أدوات الدبلوماسية متعددة الأطراف، في ظل تحولات بنيوية يشهدها النظام الدولي المعاصر.
أولًا: الخلفية العامة للموقف الصيني
ترتكز السياسة الخارجية الصينية على جملة من المبادئ الثابتة، أبرزها رفض التدخل العسكري في الشؤون الداخلية للدول، والتأكيد على سيادة الدولة ووحدة أراضيها، والتمسّك بدور المؤسسات الدولية في إدارة النزاعات. ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى أي عمل عسكري أمريكي ضد إيران خارج إطار الشرعية الدولية بوصفه سابقة خطيرة من شأنها تقويض القواعد الناظمة للنظام الدولي.
وتخشى الصين أن يؤدي تكريس هذا النمط من السلوك إلى تعميم منطق القوة الأحادية، بما يضعف فرص الانتقال التدريجي نحو نظام دولي أكثر توازنًا، ويجعل القوى الصاعدة عرضة لسياسات الإكراه مستقبلًا.
ويكتسب هذا الموقف بعدًا إضافيًا إذا ما أُخذ في الاعتبار التاريخ الحديث للتدخلات العسكرية الأمريكية خارج إطار الشرعية الدولية، وما أفضت إليه من نتائج غير مستقرة على المستويين الإقليمي والدولي. فمن منظور صيني، لا يمثّل الهجوم المحتمل على إيران حالة استثنائية، بل يندرج ضمن نمط سلوكي أوسع تسعى بكين إلى كبحه، لما يحمله من تداعيات تراكمية على استقرار النظام الدولي وقابليته للاستدامة.
ثانيًا: إيران في الحسابات الاستراتيجية الصينية
تحتل إيران موقعًا مهمًا في الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط، نظرًا لموقعها الجغرافي ودورها في معادلات أمن الطاقة. فالصين، بوصفها أحد أكبر مستوردي الطاقة في العالم، تنظر إلى استقرار الخليج وإيران باعتباره عنصرًا أساسيًا في أمنها الاقتصادي. كما تمثّل إيران حلقة محورية في مشاريع الربط القاري التي تسعى الصين إلى تطويرها ضمن رؤيتها طويلة الأمد لإعادة تشكيل شبكات التجارة العالمية.
وعليه، فإن أي هجوم أمريكي محتمل على إيران لا يُنظر إليه في بكين كأزمة ثنائية، بل كعامل اضطراب واسع قد يهدد المصالح الصينية في المنطقة، سواء على مستوى الطاقة أو على مستوى الاستقرار الجيوسياسي.
وإلى جانب البعد الطاقوي والجغرافي، تنظر الصين إلى إيران بوصفها فاعلًا إقليميًا قادرًا على لعب دور توازني في مواجهة اختلالات القوة في الشرق الأوسط، دون أن يستدعي ذلك انخراطًا صينيًا مباشرًا. ومن ثمّ، يُعدّ استقرار إيران، من منظور بكين، شرطًا مساعدًا للحفاظ على بيئة إقليمية أقل اضطرابًا وأكثر قابلية لتمرير المشاريع الاقتصادية طويلة الأمد.
ثالثًا: إدارة التوازن بين دعم إيران وتجنّب الصدام مع واشنطن
على الرغم من تنامي العلاقات الصينية–الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، تحرص بكين على إبقاء هذا التقارب ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية غير التحالفية. فالصين تدرك أن تحويل هذا التقارب إلى تحالف عسكري صريح قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو لا يتوافق مع أولوياتها الحالية ولا مع طبيعة استراتيجيتها العالمية.
لذلك، تتسم السياسة الصينية تجاه إيران بالدعم السياسي والدبلوماسي المحسوب، مع التشديد على الحلول التفاوضية ورفض التصعيد العسكري، بما يسمح لبكين بالحفاظ على توازن دقيق بين الدفاع عن مصالحها وتفادي الانخراط في صراع مفتوح.
ويكشف هذا السلوك عن إدراك صيني واضح لحدود القوة في مرحلة الصعود، حيث تسعى بكين إلى تجنّب ما تشير إليه أدبيات العلاقات الدولية بـ«فخ الصعود المبكر»، أي الدخول في مواجهة مباشرة قبل اكتمال مقومات القوة الشاملة. وعليه، تمثّل السياسة الصينية تجاه إيران نموذجًا لإدارة التنافس مع الولايات المتحدة بأدوات غير صدامية، تقوم على تراكم النفوذ بدل تفجير الصراع
رابعًا: تفسير الموقف الصيني في ضوء نظريات العلاقات الدولية
لا يمكن فهم الموقف الصيني من الهجوم الأمريكي المحتمل على إيران بمعزل عن الإطار النظري الذي يحكم سلوك القوى الصاعدة في النظام الدولي المعاصر. فمن منظور الواقعية البنيوية، تتعامل الصين مع هذا السيناريو بوصفه تعبيرًا عن اختلال مستمر في توزيع القوة الدولية، تسعى فيه القوة المهيمنة إلى توظيف تفوقها العسكري للحفاظ على موقعها القيادي. وفي هذا السياق، لا تعارض الصين الهجوم المحتمل دفاعًا عن إيران بقدر ما تعارضه باعتباره سلوكًا يعيد إنتاج الأحادية القطبية ويحدّ من فرص إعادة التوازن النظامي.
وفي الوقت ذاته، ينسجم السلوك الصيني مع افتراضات الواقعية الدفاعية التي ترى أن الدول العقلانية، حتى عندما تكون في موقع الصعود، تميل إلى تجنّب السياسات التصعيدية عالية الكلفة. فالصين، رغم إدراكها لمحدودية النفوذ الإيراني مقارنة بالقوة الأمريكية، لا ترى في التصعيد العسكري خيارًا عقلانيًا لتحقيق مصالحها، بل تعتبره عاملًا قد يسرّع من انخراطها في منافسة عسكرية غير مواتية قبل اكتمال عناصر قوتها الشاملة.
إلى جانب ذلك، يعكس الموقف الصيني توظيفًا واعيًا لأدوات الليبرالية المؤسسية، من خلال التشديد على دور المؤسسات الدولية والاتفاقات متعددة الأطراف في ضبط السلوك الدولي. فتمسّك الصين بالمسار التفاوضي لا ينبع فقط من إيمان معياري بالدبلوماسية، بل من إدراك استراتيجي بأن المؤسسات الدولية تشكّل ساحة فعّالة لتقييد حرية الحركة الأحادية وإعادة إدماج الصراعات الإقليمية ضمن أطر يمكن التحكّم بمآلاتها.
وعليه، يمثّل هذا المبحث جسرًا تفسيريًا ضروريًا للانتقال إلى تحليل أعمق يتناول انعكاسات هذا الموقف على بنية النظام الدولي ذاتها.
خامسًا: الهجوم المحتمل وسؤال النظام الدولي
لا تتعامل الصين مع سيناريو الهجوم الأمريكي المحتمل على إيران بوصفه أزمة إقليمية معزولة، بل تنظر إليه باعتباره اختبارًا بنيويًا حاسمًا لطبيعة النظام الدولي في مرحلة انتقالية تتسم بتراجع الاستقرار وغياب التوافق على قواعد إدارة القوة. فنجاح هذا السيناريو من شأنه إعادة ترسيخ منطق الأحادية القطبية، القائم على توظيف القوة الصلبة خارج الأطر المؤسسية.
وترى الصين أن تكريس هذا النمط من السلوك يهدد مساعي إعادة ضبط النظام الدولي على أسس أكثر توازنًا، ويقوّض فرص القوى الصاعدة في توسيع هامش حركتها ضمن نظام قائم على القواعد لا على موازين القوة المجردة. كما تنظر بكين إلى الأزمة الإيرانية بوصفها ساحة صراع غير مباشر حول تعريف مفهوم القوة الدولية، بين نموذج يعتمد الردع العسكري، وآخر يسعى إلى إدارة الأزمات عبر الدبلوماسية والاحتواء الاقتصادي.
وعليه، يندرج الموقف الصيني ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى احتواء الأزمات دون عسكرة النظام الدولي، وتكريس منطق الإدارة الجماعية للصراعات بوصفه مدخلًا لإعادة تشكيل نظام دولي أقل صدامية وأكثر قابلية للاستدامة.
خاتمة
تكشف الدراسة أن الموقف الصيني من الهجوم الأمريكي المحتمل على إيران يعكس تموضعًا استراتيجيًا واعيًا لقوة صاعدة تسعى إلى إدارة التحولات البنيوية في النظام الدولي دون الانزلاق إلى صدامات كبرى. فلا هو دعم مطلق لإيران، ولا حياد سلبي تجاه السلوك الأمريكي، بل مقاربة براغماتية مركّبة توازن بين حماية المصالح الوطنية وتجنّب المخاطر النظامية.
وتُظهر الحالة الإيرانية أن الصين تعتمد نمطًا خاصًا في سلوك القوى الصاعدة، يقوم على تعديل النظام الدولي من داخله، وتقييد الأحادية عبر أدوات دبلوماسية ومؤسسية، بما يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة الانتقالية التي يمرّ بها النظام الدولي المعاصر
