في حضرة الوطن، يقف دولة الرئيس نبيه بري كأنّه صفحةٌ من صخرٍ لا تُمحى عليها آثار العواصف، بل تزداد بها وضوحاً ورسوخاً. وإذا أراد المرء أن يرى للثبات صورةً حيّةً في ذاكرة اللبنانيين، فلن يجد أبلغ من مشهد البحر عند بيروت، حين تتلاطم أمواجه حول صخرة الروشة، تضربها الرياح من كل جهة، وتعلو المياه ثم تنكسر، فإذا بها حين تجتمع عند أقدام الصخر تلبس ثوب البياض، وكأنّ القسوة إذا لامست الثبات تتهذّب، وإذا واجهت الحكمة تصير صفاءً وسلاماً.

هكذا هي اللقاءات عنده، تأتي متنوّعة المشارب، متباينة الرؤى، محمّلةً بقلق الأزمنة وأثقال الواقع، لكنها ما تلبث أن تتبدّل نبرتها وتلين حوافّها. لأنّ الحوار حين يمرّ من بوابة عين التينة، بوابة الصبر يتحوّل جسراً، وحين يلامس روح المسؤولية يغدو مساحةً مشتركة. ومن حوله تتجمّع الأصوات كما تتجمّع قطرات الماء، فإذا اجتمعت أظهرت بياضها، وإذا اختلفت بقيت موعودةً بالعودة إلى معنى الوحدة. كأنّ قلبه ميزانٌ دقيق يردّ الإنفعال إلى إتزان، ويحوّل التباين إلى تكامل، ويصوغ من الاختلاف فرصةً لصناعة الأمل.

ولن نشبّهه بقلعةٍ من صنع البشر، كـ قلعة بعلبك، على ما فيها من روعةٍ وعظمة، فبين ما يُبنى بيد الإنسان وما يخلقه الله مسافةُ سرٍّ وهيبة. إنما هو أقرب إلى صخرةٍ تشهد لزمنٍ طويلٍ من الصمود، تقف بين السماء والبحر كأنّها وعدٌ بأنّ الثبات ليس تحدّياً للعاصفة فحسب، بل قدرةٌ على تحويلها إلى درسٍ في البقاء.

وهو في وجدان الناس كالأرزة في قلب العلم اللبناني، جذورٌ ضاربةٌ في الأرض حتى عمق التاريخ، وأغصانٌ ممدودةٌ نحو السماء علواً ومجداً. تجمع في ظلّها الدم المسلم والمسيحي، وتزيّن بياض الثلج بلون الحياة الأخضر، فتغدو رمزاً لوطنٍ يتجدّد رغم الجراح، ويستمرّ رغم العواصف. الأرزة لا تعلن صمودها بالكلمات، بل بالفعل الصامت، وهكذا هو الحضور الذي يترجم المعنى قبل أن يصرّح به، ويصنع الأثر قبل أن يطلب الشهادة عليه.

في مسيرته، يبدو لبنان عنده أكثر من جغرافيا، هو رسالةُ إنسانٍ إلى إنسان، وجسرُ لقاءٍ بين الأديان والثقافات. لذلك تتبدّى محبته للوطن كضوءٍ لا ينطفئ، وكبوصلةٍ تعيد الاتجاه كلّما ضلّت الطرق. وحين تضيق الساحات وتشتدّ الأزمات، يظهر الثبات لا كقساوةٍ على الواقع، بل كرحمةٍ بالوطن، وإصرارٍ على أن يبقى البيت جامعاً لأبنائه، مهما تباينت الأبواب والنوافذ.

إنّ صخرة الروشة لا تمنع الموج من القدوم، لكنها تعلّمه كيف ينكسر دون أن يدمّر، وكيف يتحوّل من اندفاعٍ أعمى إلى بياضٍ نقي. وكذلك هو نهجه يرى في الحوار قوةً، وفي الصبر طريقاً، وفي الثبات رسالة. وبين البحر والسماء، بين الجذر والقمّة، بين البياض والأخضر، تتشكّل صورةٌ لقيادةٍ تؤمن بأنّ الوطن حين يُحاط بالمحبّة يصبح أصلب من العواصف، وأبقى من الزمن.

بهذه الصورة يتجلّى المعنى، صخرةٌ تُصقلها الأمواج ولا تنال منها، وأرزةٌ تلامس العلوّ ولا تنفصل عن الأرض، وقلبٌ يفتح للبياض دروبه في كل لقاء. هكذا يظلّ الحضور وعداً بالثبات، ودعوةً إلى الوحدة، وشاهداً على أنّ لبنان وطن الإنسان وملتقى الأديان، يجد في صلابة الإيمان به طريقه إلى الديمومة والخلود.

اخوكم حسين علي عواركة

By jaber79

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *