تنتقل المنطقة اليوم من مربع الصراع العسكري المفتوح إلى مرحلة “الواقعية الفجة”، فبعد الضربة التي لم تحقق غاياتها في إيران، والتي تعهد فيها نتنياهو لترامب بتقويض أركان النظام لينتهي الأمر بارتدادات مؤلمة في الداخل الإسرائيلي، وبعد أن مارس ترامب أقصى ضغوط التهديد دون بلوغ أهدافه، يبدو أن الخرائط يُعاد رسمها الآن.. ليس بالرصاص، بل بالعقود والتدفقات النفطية.
في جوهر هذا التحول، يقف دونالد ترامب، الرئيس الذي يرى في السياسة الدولية امتداداً لإمبراطورية عقارية كبرى. وبالنسبة له، إيران ليست مجرد “محور شر”، بل هي “سوق مغلق” يتوق للفتح، وخزان نفط كفيل بتأمين رفاهية الاقتصاد الأمريكي لعقود، وتحقيق “مجد شخصي” يضعه في مصاف الزعماء الذين روضوا المستعصي. إن غياب هذه الامتيازات والمكاسب كان، في الحقيقة، هو الدافع الحقيقي خلف إلغاء ترامب للاتفاق النووي السابق الذي أبرمه الديمقراطيون.
اليوم، يدرك ترامب تماماً أن مجرّد عودة النفط الإيراني بكامل طاقته إلى الأسواق العالمية سيؤدي إلى انخفاض تاريخي في الأسعار، ما ينعكس مباشرةً على قدرة المواطن الأمريكي الشرائية ويعزز من شعبيته. وهنا يكون حضور “مهندس الصفقات” جاريد كوشنر بجانب ويتكوف، يشير إلى أن الإغراء يتجاوز مجرد وقف تخصيب اليورانيوم، فبالنسبة لترامب، الصفقة الناجحة هي تلك التي تنتهي بصكوك مالية ضخمة واستقرار اقتصادي يجهض أي معارضة داخلية، حتى لو كان الثمن إغضاب “الحليف التاريخي” في تل أبيب.
وهنا أيضاً تتحول الأزمة من مجرد “كيمياء مفقودة” بين ترامب ونتنياهو (رغم الضحكات المتصنعة في لقاء أوكلاند والتي أشرنا إليها في مقال سابق) إلى تصادم استراتيجي بين دولتين. فبينما تدفع إسرائيل بكل ثقلها نحو “تأزيم” الموقف ومنع أي تقارب، ترى واشنطن أن مصلحتها القومية تقتضي احتواء طهران بدلاً من إبقائها عدواً عسكرياً يستنزف قدراتها، وحائطاً صلداً أمام أي خطوات تجاه “التنين الصيني” الذي بدأ ينفث ناره دون مواربة. هذا التباين جعل إسرائيل تشعر بأنها غدت “عبئاً” على الأجندة الأمريكية وليست “ذراعاً” لها، مما يضع الدولة العبرية في مواجهة مباشرة مع إرادة البيت الأبيض، الذي بدأ يضيق ذرعاً بسياسات “الجرّ نحو المواجهة”.
أما بنيامين نتنياهو، فيبدو أنه دخل “خريف العمر السياسي”، إذ بات بقاؤه في السلطة رهناً باستدامة الحرب والتأزيم، وهو ما يتناقض جذرياً مع “مانشيت” السلام والازدهار الذي يسعى ترامب لتسويقه. ولأن ترامب لا يقبل بشريك ينازعه الأضواء أو يعطل صفقاته، فقد يقرر الإطاحة بنتنياهو سياسياً، سواء عبر تحريض القوى الداخلية في إسرائيل، أو برفع الغطاء الأمريكي الذي طالما حماه من المساءلة. نعم، سيُضحى بـ “بيبي” بمجرد أن تصبح كلفة بقائه أبهظ من أرباح الصفقة مع إيران.
في نهاية المطاف، يثبت المشهد الراهن أن “الدلال السياسي” لا يدوم في عالم التجارة الدولية. فإسرائيل التي راهنت على شخص ترامب، قد تكتشف متأخرة أن “الدولة” الأمريكية، حين يقودها تاجر بارع، لا تتردد في التخلي عن حلفائها المدللين، ففي اللحظة التي يصبح فيها رأس إحدى الدولتين هو المطلوب، على الإسرائيليين أن يدركوا الحقيقة المرة: “أمريكا أولاً”.

