
تمثل القمة الأخيرة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في فلوريدا (29 ديسمبر 2025) ذروة “البراغماتية السياسية” التي تتجاوز الخلافات الشخصية لصالح أهداف جيوسياسية كبرى. فرغم التوترات الإعلامية التي سادت بين فريقي الرجلين قبل اللقاء وبنيت عليها التحليلات ، ظهر الرجلان بتوافق كامل يهدف إلى الانتقال السريع نحو “المرحلة الثانية” من هندسة المنطقة، والتي تتطلب غطاءً أمريكياً كاملاً لإسرائيل لتنفيذ شروطها الميدانية، سواء في غزة ،لبنان ،إيران أو باقي الجبهات الإقليمية الأخرى، تحت شعار نزع السلاح وضمان أمن إسرائيل التي تشكل الذراع الفاعلة لواشنطن في الشرق الأوسط في مرحلة تخاض فيها الحروب بالوكالة أو بما يعرف بحرب الأذرع إذا ما استثنينا روسيا من مجمل الحروب التي نشبت مؤخراً.
هذا التوافق يخدم تكتيك “الرجل المجنون” الذي يتقنه ترامب؛ فهو يمنح نتنياهو التفويض الميداني والوصف بـ “البطل” لضرب الأذرع الإقليمية ، بينما يمارس هو ضغوطاً اقتصادية هائلة تشل المركز في طهران ، هذا التفويض لنتنياهو المنبوذ دولياً يبدو من خلاله أنّ ترامب يلعب بعداد حياته السياسية بعدما نسي التغيير الذي أنتجته مظلوميّة غزة في العالم لا سيما في أميركا داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي وعلى وجه الخصوص ضمن فئة الشباب النخبوي .
أمّا الرسالة الموجهة لإيران بالتلويح بضرب المنشآت النووية مجدداً فهي “عصا غليظة” لتعزيز الموقف التفاوضي الأمريكي وقد ذكر ترامب هذا الأمر بشكل واضح ،فيما الحرب الإقتصادية قد تخطّت مرحلة العقوبات ليظهر أن الضربات المتتالية للاقتصاد الإيراني تحقق نتائجها مع بلوغ الدولار 1.4 مليون ريال، مما يعني أن الرهان انتقل من الأسقاط الكامل للنظام في ظل ما تملكه إيران من مناعة حتى الآن إلى “الإنهاك التدريجي” لجعل تكلفة النفوذ الخارجي عبئاً لا يحتمله الداخل الإيراني.
وفي خضم هذا الضغط على “المركز”، يبرز لبنان كأحد أهم ساحات الاختبار لهذه الاستراتيجية. ففي ظل العهد الجديد بقيادة الرئيس جوزيف عون، يجد لبنان نفسه أمام سيناريوهين: الأول هو “التفكيك الهادئ”، حيث تؤدي الضغوط الاقتصادية على طهران إلى تجفيف منابع الدعم عن أذرعها بحسب الرؤية الأميركية، مما يمنح الدولة اللبنانية فرصة لفرض سيادتها ودمج السلاح ضمن مؤسساتها الرسمية بقرار سيادي مدعوم دولياً. أما السيناريو الثاني فهو “الصدام بالوكالة” وهو الرؤية الإسرائيلية، إذ قد يحاول نتنياهو استغلال “الضوء الأخضر” من فلوريدا لتوجيه ضربات قاصمة للبنية التحتية للمقاومة في لبنان، بهدف خلق واقع أمني جديد يسبق أي مرحلة جديدة ، مما يضع الدولة اللبنانية في اختبار حقيقي لموازنة علاقتها مع المجتمع الدولي وحفظ استقرارها الداخلي.
هذه التحركات الإقليمية لا تنفصل عن “لعبة الأمم” الكبرى؛ فبينما تنشغل أمريكا بإعادة رسم حدود النفوذ عبر إسرائيل، تترقب الصين عبر مناورات “مهمة العدالة 2025” لحظة “التعب الأمريكي” للانقضاض على تايوان. فالضغط على إيران هو في جوهره ضغط غير مباشر على الصين، كون طهران “بوابة الطاقة” الحيوية لبكين ومنصة إشغال دائمة لواشنطن ، وبالمقابل فإن دعم الصين لإيران يأتي ضمن سياق مضاد هدفه استنزاف أميركا وكسب مزيد من المحطات على طريق الحرير الصيني.
بالمحصّلة وفي وسط معركة الأحجام التي تسبق مرحلة توزيع الغنائم ، فإننا في لبنان ، الدولة الصغيرة بكل عناوينها في لعبة الأمم ، نعيش مرحلة “إعادة رسم الحدود”؛ حيث يُستخدم الدولار كقذيفة ذكية لضرب إقتصاد إيران تطال شظاياها الحلفاء في لبنان من جهة، ومن جهة أخرى تحركات عسكرية إسرائيلية كجهد ميداني يخدم واشنطن في سعيها لتبديل الهوية الوطنية للبنان ، بينما ينتظر الجميع “لحظة التعب” الكبرى أو متغيرات خارجة عن الحسبان في مشهد سيريالي يتأرجح بين التسويات الكبرى والانفجارات المحسوبة.
