في الثالث من يناير عام 2026، استيقظ العالم على مشهد لم يألفه في العصر الحديث؛ اختطاف رئيس دولة ذات سيادة من غرفة نومه في عملية عسكرية خاطفة نفذتها وحدة “دلتا فورس” في قلب كاراكاس. لم يكن هذا الحدث مجرد عملية جراحية لتغيير نظام حكم، بل كان بمثابة “الإعلان الرسمي” لتدشين عقيدة الرئيس دونالد ترامب الحقيقية متحرراً من وعود السلام التي تغنّى بها قبيل الإنتخابات، وهي العقيدة التي تضع ” الإنجازات والمصالح ” فوق كل اعتبار قانوني أو إنساني.
هذا الانقلاب في السلوك الأمريكي يفسر التبدل المفاجئ في موقف ترامب تجاه الشرق الأوسط؛ فبعدما سوق فريقه للهدنة قبل لقاء منتجع مارالاغو في ولاية فلوريدا بتاريخ ٢٩ كانون اول ٢٠٢٥، جاء لقاؤه بنتنياهو ليعطي الضوء الأخضر لمرحلة من التصعيد، مستفيداً من “صدمة فنزويلا” المخطط لها مسبقاً ليرسل رسالة صاعقة إلى طهران، مفادها أن “الحصانة السيادية” قد سقطت أمام لغة القوة الأمريكية المباشرة وأن نموذج كراكاس هو فقط نقطة في بحر مما هو حتمي وقادم ما لم يسلّم النظام الحالي ويرحل.
الرسالة الأميركية باتت واضحة والجولات السابقة مجرّد عراضة وقطار التدمير لكل من يقف بوجه المشاريع الأميركية الإسرائيلية يسير بسرعة داهساً كل من حاول الوقوف في مساره ،والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم وسط هذا الغبار العسكري هو: من سيضغط على الزناد أولاً؟ المؤشرات الميدانية والتحليلات العسكرية تشير إلى أننا أمام سباق مع الزمن. فمن جهة، يرى بنيامين نتنياهو أن “فرصة ترامب” هي اللحظة المثالية لتنفيذ “الضربة القاضية” ضد البرنامج النووي الإيراني وتحطيم ترسنة الصواريخ الباليستية، مستنداً إلى تفويض ضمني من البيت الأبيض “بتنظيف الطاولة” من التهديدات قبل ربيع 2026. لكن على المقلب الآخر، تدرك طهران أن انتظار الضربة يعني الانتحار؛ فبعدما جرى لمادورو، ترسخت قناعة لدى الحرس الثوري بأن ترامب لا يسعى للاحتواء بل للإطاحة. هذا الإدراك قد يدفع إيران لتجاوز ترددها التاريخي واللجوء إلى “الضربة الاستباقية الكبرى”، مستخدمةً صواريخها الدقيقة والفتّاكه لشل المطارات الإسرائيلية قبل أن تقلع منها الطائرات. إن منطق “البقاء” بات يحتم على طهران أن تضرب أولاً لتفرض معادلة رعب تمنع ترامب من التفكير في “تصدير نموذج فنزويلا” إلى أراضيها.
بالتزامن فإن الموقف الصيني يمثل “العقدة” التي قد تعطل حسابات ترامب. فبينما يرى البعض أن الصين قد تكتفي ببيانات الإدانة، فإنّ الواقع الجيوسياسي يفرض عليها دوراً أكثر عمقاً وخطورة. الصين ترى في إيران “خط دفاعها الاستراتيجي الأول”؛ فسقوط النظام في طهران يعني وصول الهيمنة الأمريكية إلى حدود آسيا الوسطى وخسارة بكين لأهم حليف مورّد لمصادر الطاقة الرخيصة وممر تجاري في مشروع “الحزام والطريق”. ومع ذلك، فإن الصين لا تؤيد “الضربة الإيرانية الأولى” علناً، بل تدفع نحو “الاستنزاف الذكي”. بكين تفضل أن تظل إيران “قلعة منيعة” تستنزف الموارد الأمريكية والإسرائيلية، لكنها في الغرف المغلقة قد تمنح طهران الضوء الأخضر لرد “صاعق ومحدود” إذا شعرت أن وجود النظام الإيراني بات في خطر حقيقي. إن الصين قد لا تقاتل مع إيران، لكنها ستوفر لها “الرئة التكنولوجية” والمعلوماتية في حربها ، لأن انكسار طهران هو انكسار لمشروع الصين في كسر القطبية الأمريكية الواحدة.
إلى جانب إيران حلفاء في المنطقة يتربصون بإسرائيل ويعتبرون كامل الحرب السابقة مجرّد جولة وهذا ما يدركه الإسرائيلي جيداً ، فالحوثي في اليمن، المجهز بتكنولوجيا عسكرية أظهرت فعاليتها خاصة في إغلاق الممرات المائية للنفط، قد يكون هو “الفتيل” الذي يشعل الحرب إذا ما قررت إيران عدم إحداث الصدمة حفاظاً على المزاج الدولي ،علماً أنّ خيار المدارات واستجداء الرضى أثبت فشله بالمطلق. أما المقاومة في لبنان فلم تعد بحاجة إلى الصواريخ الدقيقة والمعقدة التي يكون إطلاقها أشبه بالمستحيل تحت السيطرة الجوية التي يفرضها العدو ،بل قد تكون الصواريخ الصغيرة والمتوسطة أكثر فائدة في إستنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي لشق الطريق للصواريخ الإيرانية للوصول بأريحيّة.
هكذا، تكتمل حلقة “القوة فوق القانون” التي فرضها ترامب الذي يُضحي باستقرار المنطقة لضمان هيمنته ومصالحة ، بينما تتحول طهران وبكين إلى جبهة دفاعية واحدة ترفض أن يكون مصير الشرق الأوسط مشابهاً لمصير كاراكاس.

By jaber79

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *