ما زلنا نعيش التوترات المتجددة في منطقتنا من حين إلى آخر، توترات لا تنتهي، والسبب الرئيسي فيها هو سعي الدول المركزية المتحكّمة بالقرارات المصيرية لدول الأطراف ــ منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية ــ إلى زرع الفتن وبثّ الخلافات، بهدف السيطرة على الموارد، وإضعاف القوة الذاتية لهذه الدول، وتحويلها إلى سوق لتصريف منتجاتها، وساحة صراع دائم، وبؤرة للجرائم والإرهاب، وأرض خصبة لتصفية الحسابات وافتعال الحروب، سواء كانت داخلية أو خارجية.
عند كل أزمة، تأتي الدول الكبرى بوجهٍ آخر، متظاهرة بدور “الأم الحنون”، لتقديم حلول نزاعات صنعتها مسبقًا، وتفرض سلطتها مجددًا عبر سياسة “فرّق تَسُد”.
وفي عالمنا المعاصر، وبعد اتفاقية “سايكس – بيكو” السرّية عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا وروسيا، والتي قُسِّم فيها الهلال الخصيب أو الشرق الأوسط بين القوى الاستعمارية، تلاها وعد بلفور المشؤوم عام 1917، الذي منح اليهود وطنًا قوميًّا في فلسطين، استنادًا إلى روايات تاريخية مزيفة وألعاب سياسية مفبركة.
منذ ذلك الحين، وحتى يومنا هذا، مرورًا بالحروب والعدوان، ما زالت المنطقة تعيش حالة صراع دائم مع كيان غاصب لا حدود لطموحاته التوسعية. كيان لا يعترف بقرارات دولية ولا بشرائع إنسانية، يتغذّى على الدم، ويمضي في جرائمه تحت غطاء دولي، ودعم أمريكي، وتواطؤ عربي.
وهكذا ستبقى ملفات المنطقة معقّدة ما لم تتغير المعادلات. فالزمن وحده لم ولن يغيّر شيئًا، طالما هذا الكيان مستمر في عدوانه، وأمّتنا تدار من كراسي فارغة من الرجال، تلهث خلف النساء والأموال.
