يقوم الرئيس الأميركي ترامب بتوزيع التهديدات يمنة ويسرة حتى صار العالم اجمع يقف على حافة الهاوية, والحقيقة أن الولايات المتحدة كإمبراطورية تعيد تعريف “القوة” من خلال الانكفاء لا التمدد، حيث لم يعد خيار فتح جبهات عسكرية جديدة يمثل مغامرة سياسية فحسب، بل تهديداً وجودياً لبنية داخلية تعاني من تصدعات بنيوية عميقة. إن الديون السيادية التي بلغت مستويات فلكية، وتكلفة خدمة هذه الديون التي بدأت تلتهم ميزانيات الدفاع والخدمات، جعلت من أي حرب شاملة “ثقباً أسود” قد يبتلع ما تبقى من استقرار الدولار ونظام الهيمنة المالية. واشنطن اليوم تدرك أن زمن الحروب المفتوحة غير معلومة النتائج قد ولى، ليس لزهد في القوة، بل لأن “فاتورة الحرب” لم تعد قابلة للسداد في ظل ترهل الدولة وتوالي الضربات الصينية الصامته والمؤلمه وتململ الحلفاء التاريخيين وبدء إنفراط عقدهم ، إلى الصعود الصاروخي لسعر الذهب في مقابل الدولار إلى التغيير الهائل الذي أحدثته حرب غزة في وعي الشعوب وبالأخص فئة الشباب الجامعي ،فالولايات المتحدة بحاجة الولايات لترميم بيتها الداخلي قبل التفكير في تغيير خرائط العالم.
هذه “الواقعية القسرية” تفرض على إدارة ترامب التحرك بعقلية التاجر الذي عليه أن يحسب الربح والخسارة بميزان الذهب، فالحرب مع قوى إقليمية أو دولية لم تعد نزهة عسكرية، بل هي مقامرة باستقرار الاقتصاد العالمي الذي يتربص به العملاق الصيني. الصين التي لم تعد تنتظر سقوط أميركا، بل بدأت بالفعل في “ابتلاع” المساحات الاقتصادية والتكنولوجية عبر سلاسل توريد معقدة واتفاقيات تتجاوز سطوة “الدولار” ونظام “سويفت”. لذا، تجد واشنطن نفسها مضطرة لممارسة “سياسة الحافة” واستخدام التعريفات الجمركية والضغوط الاقتصادية كبديل عن الصواريخ، لأن الصدام المسلح المباشر سيعني اعترافاً رسمياً بنهاية الحقبة الأمريكية واحتمال تفكك عقد الولايات التي لم تعد تحتمل هزات خارجية كبرى.
وفي هذا المناخ من “توازن الرعب الاقتصادي”، تبرز البراغماتية كطوق نجاة وحيد، فالخصوم يدركون أن أميركا “العجوز” لا تزال تملك مخالب فتاكة لكنها تخشى استنزافها، وواشنطن تدرك أن خصومها يملكون القدرة على الصمود وتحويل أي مواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. هذا الفهم المتبادل هو ما يدفع الجميع نحو البحث عن “صفقات تحت الطاولة” ومسارات تفاوضية خلفية، حيث يسعى كل طرف لتأمين بقائه دون الانزلاق إلى مواجهة انتحارية. إننا نعيش لحظة تاريخية فارقة، حيث تُدار القوة العالمية بصمت المفاوضين لا بصخب المدافع، في عالم لم يعد يعترف بالقطب الواحد، بل بالمصالح المتشابكة التي تجعل من “السلام الاضطراري” ضرورة لا خياراً.
لذلك،فيما تقرع أبواق الحرب فإن ضوضائها قد لا تكون إيذاناً بالهجوم بقدر ما هي ممارسة ضغوط تفاوضية وهذا الأمر معتاد في عالم السياسة لكنه تكرّس بشدة مع النمط الترامبي الآتي من حلبات المصارعة الحرة بخلفيّة رفع مستوى التهديد لزيادة الأرباح ،وقد يقول قائل أن الامر بتجاوز التهديد وقد قام ترامب بخطف الرئيس الفانزويلي مادورو، هذا المشهد ذكرنا بخطف ترامب لمالك ومدير شركة بنسلفانيا المختصة بالمصارعة الحرة حيث قام بقص شعر رأسه أمام الجمهور والكاميرات حيث ظهر بصورة الرجل الذي يفعل ما يريد فيما الجمهور والعالم من خلف الكاميرات يتفرج ويهلل .
ترامب الراقص على المسرح مستهزئاً بالرئيس الفرنسي ماكرون ليس في صدد فتح حرب كما هي مؤشرات المنطق السياسي والإقتصادي والعسكري ،اللهم إلّا إذا كان هذا الرجل مجنوناً بالفعل ،لكن الوقائع تظهر انّه يدرك ما يفعل .
