أحمد عباس
ماستر في العلاقات الدولية
الملخص
تحلل هذه الدراسة توظيف رمزية «عماليق» في الخطاب الإسرائيلي المرتبط بالمواجهة مع إيران، من خلال مقاربة تجمع بين البنائية في العلاقات الدولية وعلم الاجتماع الديني. تنطلق الدراسة من فرضية أن التهديد لا يُعرَّف فقط عبر القدرات المادية، بل يُبنى اجتماعيًا عبر الهوية والذاكرة والسرديات الرمزية. وتجادل بأن مفاهيم «زاخور» و«عماليق» و«بوريم» تشكل بنية فكرية متكاملة لإنتاج معنى التهديد والنجاة في الوعي اليهودي، وأن انتقال هذه البنية إلى المجال السياسي يسهم في إعادة تعريف الصراع بوصفه مواجهة وجودية، لا مجرد تنافس استراتيجي. كما تُبرز الدراسة التعدد التأويلي داخل الفكر اليهودي ذاته، بما يمنع اختزال المفهوم في قراءة واحدة.
الكلمات المفتاحية: البنائية، الهوية، إدراك التهديد، زاخور، عماليق، بوريم، الخطاب السياسي، الردع الوجودي، الشرق الأوسط.
مقدمة
لا تُفهم التحولات في الصراعات الإقليمية من خلال توازن القوى وحده، بل من خلال المعاني التي تُمنح للتهديد. فالدول لا تتفاعل فقط مع الوقائع المادية، بل مع التفسيرات التي تضفيها عليها. وفي هذا السياق، يبرز استدعاء رمزية «عماليق» في الخطاب المرتبط بإيران بوصفه ظاهرة تتجاوز بعدها اللاهوتي لتلامس بنية إدراك التهديد ذاتها.
وقد جاء اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة متزامنًا مع «سبت زاخور»، وهو ما يضفي على الحدث بعدًا رمزيًا إضافيًا. ورغم أن هذا التزامن لا يثبت علاقة سببية بين الطقس الديني والقرار العسكري، فإنه يتيح قراءة أعمق لكيفية تداخل الزمن الطقسي مع الخطاب السياسي في لحظات التصعيد.
تنطلق هذه الدراسة من سؤال مركزي:
كيف تسهم البنية الرمزية في الفكر الديني اليهودي في إعادة تشكيل معنى التهديد داخل البيئة الإقليمية؟
أولًا: الإطار النظري – البنائية وإدراك التهديد
تنطلق الدراسة من المقاربة البنائية في العلاقات الدولية، التي ترى أن الهويات والمصالح ليست معطيات ثابتة، بل تتشكل عبر التفاعل الاجتماعي والخطاب. ووفق هذا المنظور، فإن التهديد لا يُعرَّف فقط بامتلاك قدرات عسكرية، بل بالمعنى الذي يُمنح لتلك القدرات ضمن سياق الهوية والتاريخ.
فالخصم لا يصبح تهديدًا وجوديًا بسبب قوته وحدها، بل بسبب إدراجه داخل سردية رمزية تضعه في موقع “الآخر المهدِّد”. ومن هنا يصبح تحليل الخطاب مدخلًا لفهم التحولات في طبيعة الصراع.
ثانيًا: زاخور – التذكّر كآلية إنتاج للهوية
يحتل مفهوم «زاخور» (التذكّر) مكانة مركزية في الفكر اليهودي. فالتذكّر ليس استعادة ذهنية للماضي، بل فعل ديني–أخلاقي يعيد إنتاج الهوية عبر الزمن. ومن خلال التكرار الطقسي، تتحول الذاكرة إلى عنصر دائم في تشكيل الوعي الجماعي.
في علم الاجتماع الديني، تمثل هذه العملية آلية لترسيخ الانتماء، حيث يُعاد نقل سردية الخطر والنجاة من جيل إلى آخر، بما يجعل الماضي فاعلًا في الحاضر.
ثالثًا: عماليق – صورة الآخر المهدِّد
في النص التوراتي، يمثل عماليق العدو الذي هاجم الجماعة في لحظة ضعفها. ومع تطور الفكر الديني، تحول المفهوم إلى رمز للتهديد الوجودي المتكرر.
سوسيولوجيًا، يشكل عماليق صورة “الآخر” الذي تُعرّف الجماعة نفسها في مواجهته. فهو ليس مجرد خصم سياسي، بل تمثيل رمزي للعداء المطلق.
وعندما يُستدعى المفهوم في السياق السياسي المعاصر، تنتقل إيران من كونها دولة ذات مشروع سياسي إلى كونها مُؤطرة ضمن سردية تهديد تاريخي.
رابعًا: بوريم – سردية النجاة وإعادة تثبيت الهوية
يمثل عيد بوريم لحظة إعادة إنتاج لسردية النجاة من خطر الإبادة. فالعيد لا يُحيي التهديد فقط، بل يؤكد استمرارية الجماعة رغم الخطر.
في علم الاجتماع الديني، تعمل مثل هذه الأعياد كآلية لإعادة تثبيت الثقة الجماعية بالبقاء، ما يعزز تماسك الهوية في مواجهة التهديدات المتصورة.
خامسًا: انتقال البنية الرمزية إلى المجال السياسي
من منظور بنائي، لا تبقى الهوية في المجال الطقسي، بل تنتقل إلى المجال السياسي. وعندما يُعاد تعريف الخصم ضمن إطار رمزي–تاريخي، تتغير طبيعة الصراع معه.
فالصراع لم يعد يُقدَّم كتوازن مصالح، بل كصدام سرديات. ويتحول الردع من أداة توازن إلى أداة منع استباقي يهدف إلى إزالة الخطر الوجودي.
سادسًا: التعدد التأويلي لمفهوم عماليق
رغم الطابع الحاد للنصوص التوراتية المتعلقة بعماليق، فإن الفكر اليهودي لم يكن أحاديًا في تفسيره:
1. قراءة تاريخية ترى أن الأمر متعلق بسياق قبلي قديم.
2. قراءة رمزية تعتبر عماليق تمثيلًا للشر الأخلاقي لا جماعة محددة.
3. قراءات حديثة تؤكد ضرورة فهم النص في سياقه التاريخي وعدم إسقاطه حرفيًا على الواقع المعاصر.
إبراز هذا التعدد يمنع اختزال الفكر اليهودي في قراءة واحدة، ويُظهر أن التوظيف السياسي للمفهوم هو اختيار تأويلي ضمن طيف من الإمكانات.
سابعًا: التداعيات الإقليمية
عندما يُعاد تعريف الخصم بلغة وجودية، تتراجع إمكانات التسوية، ويزداد الاستقطاب. وفي بيئة شرق أوسطية مشحونة تاريخيًا، فإن إدخال الرمزية الدينية في توصيف الصراع يعمّق البعد الهوياتي ويزيد من احتمالات التصعيد.
خاتمة
تكشف هذه الدراسة أن مفاهيم «زاخور» و«عماليق» و«بوريم» تشكل بنية رمزية متكاملة لإنتاج معنى التهديد والنجاة في الفكر اليهودي. ومن منظور بنائي–سوسيولوجي، فإن انتقال هذه البنية إلى المجال السياسي يسهم في إعادة تعريف الخصم وفي تحويل الصراع من تنافس استراتيجي إلى مواجهة وجودية.
غير أن التعدد التأويلي داخل الفكر اليهودي نفسه يؤكد أن النص لا يفرض مسارًا واحدًا، وأن المجال السياسي يبقى فضاءً للتفسير والاختيار. وعليه، فإن أخطر التحولات في الصراعات المعاصرة لا تكمن فقط في تغير موازين القوى، بل في تغير المعنى الذي يُمنح للآخر، وفي الكيفية التي يُعاد بها بناء الهوية في مواجهة التهديد.
