بينما يعتمد التقييم التقليدي للحروب على حجم الدمار المادي الذي تلحقه القوة الجوية المتفوقة، تكشف القراءة المتعمقة للصراع الراهن عن أبعاد أخرى تتجاوز لغة الأرقام والحرائق. فإذا كانت الولايات المتحدة قد استعرضت قدرتها التدميرية، فإن الجمهورية الإسلامية بالمقابل قد ركزت على تحويل الضغط إلى مكتسبات في البنية العقائدية ،الإستراتيجية والتكتيكية.
فعلى المستوى الإيديولوجي، ساهمت المواجهة في تعزيز “عقيدة التشدّد العرقي والديني” في إيران، مما حوّل التهديد الخارجي إلى مادة لتمتين الجبهة الداخلية وتثبيت أيديولوجيا النظام في وجه الضغوط والالتفاف الشعبي والمؤسساتي حول الحرس الثوري.
أما استرتيجياً، فقد تجلّت الفاعلية الإيرانية في تبني إستراتيجية “حرب الاستنزاف” طويلة الأمد، والتي بدأت تؤتي ثمارها من خلال عدة مؤشرات:
• بروز ضعف في خطاب الهيمنة الأمريكي وبداية تراجع التماسك الأوروبي حيال سياسات واشنطن، وتموضع جديد لكل من مصر وتركيا بعد قراءة دقيقة لمجريات الحرب.
• إضطرار الغرب للتعامل مع الخصم الروسي لشراء النفط بشروطه، لتأمين النقص وتهدئة السوق.
• إعادة تقييم دول الخليج والكثير من حلفاء أميركا لجدوى “المظلة الأمنية” الأمريكية المطلقة ومراجعة الأخطاء، خاصة بعد ورود أنباء عن سحب دفاعات جوية لصالح الكيان وترك سماء هذه الدول مكشوفة.
• إحكام السيطرة على مضيق هرمز،ووضع شروط إيرانية للمرور عبره وتعامل الدول بواقعية مع الوضع الجديد.
• نجاح سياسة التمويه وإخفاء اليورانيوم المخصب ، مما جعل الأهداف الحيوية بعيدة عن متناول الحسم العسكري المباشر.
• تعزيز الشراكات الاستراتيجية الشرقية وزيادة الدعم التكنولوجي الصيني والروسي علناً والتهديد بفتح الأراضي الإيرانية لاستضافة قواعد صينية روسية مستقبلاً، مما يجعل آسيا ضمن الهيمنة العسكرية وبالأخص الصينية بعدما كانت أميركا تسعى لقطع طريق الحرير ومحاصرة الصين.
تكتيكياً، ورغم الضربات الموجعة التي تلقتها إيران،فقد إستفادت من “لعنة الجغرافيا” كعامل قوي فالمساحة الشاسعة لإيران تجعل من استهدافها كلياً أمراً مستحيلاً مقارنة بضيق المساحة الجغرافية للكيان الإسرائيلي والقواعد الأميركية، وبينما استنفدت واشنطن بنك أهدافها، حافظت طهران على مرونة عالية في المناورة بالأهداف الحيوية كالمطارات ومنشآت النفط وقد بدا واضحاً إضطرار الأميركي لاستعمال المطارات المدنية الخليجية للتزود بالوقود وتنفيذ الطلعات الجوية.
تكتيكياً ايضاً ، ورغم التفوق والسبق الأميركي في سلاح السايبر ،فقد استطاعت العقول الإيرانية من تسجيل هدف بعيد المدى من خلال استهداف منشآت الطاقة في أميركا وتفجيرها إلكترونياً-على ذمّة المحللين، وكذلك إغلاق البنوك الخليجية ذات الحصص الأميركية ، فيما هم ترامب الأول استثمار الحرب لتحقيق أرباح شخصية من خلال التلاعب بالبورصة وهو موضع تحقيقات من خصومه في اميركا لمحاولة محاكمته .
في المحصّلة،
فإن المشهد الحالي يشير إلى أن الصمود في وجه الترسانة العسكرية الأضخم لا يعتمد فقط على حجم الرد، بل على القدرة على امتصاص الصدمة، والمناورة بالأوراق الإقليمية بحذر يحفظ توازنات المنطقة، وانتظار لحظة التراجع السياسي للطرف الآخر تحت وطأة الاستنزاف الداخلي والخارجي.

By jaber79

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *