تتناول هذه الدراسة مسألة حماية الأطفال في النزاعات المسلحة من منظور القانون الدولي الإنساني، من خلال تحليل معياري لتطبيق مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات في الهجوم، إضافة إلى النظام الخاص بحماية الأطفال. وتعتمد الدراسة على حادثة استشهاد الطفل علي حسن جابر الذي لم يتجاوز الثالثة من عمره ببلدة يانوح الجنوبية، كحالة اختبار قانونية تقيم مدى الالتزام بقواعد حماية المدنيين خارج مناطق القتال المباشر.
يتبنى البحث منهجًا تحليليًا نصيًا-تطبيقيًا يربط بين الأطر التعاقدية والممارسة العملية. وتخلص إلى أن إصابة الأطفال في مناطق غير قتالية ترفع من معيار التدقيق القانوني وتستلزم تقييمًا أكثر تشددًا لشرعية الأعمال العسكرية وللتدابير اللاحقة للتحقيق.
.
الكلمات المفتاحية: القانون الدولي الإنساني، حماية الطفل، مبدأ التمييز، مبدأ التناسب، الاحتياطات في الهجوم، حماية المدنيين.

مقدمة
يقوم القانون الدولي الإنساني على هدف مركزي يتمثل في الحد من آثار النزاعات المسلحة على الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال القتالية. ويحتل الأطفال مكانة بارزة ضمن منظومة الحماية، سواء بموجب القواعد العامة لحماية المدنيين أو بموجب القواعد الخاصة التي تعترف بهشاشتهم البنيوية.

تبرز أهمية التحليل القانوني عندما تقع وفيات بين الأطفال في سياق عمليات عسكرية، خاصة عندما تشير المعطيات المتداولة إلى أن الحادثة وقعت خارج نطاق الاشتباك المباشر.
في هذه الحالة، لا تُقرأ الواقعة كحدث فردي فحسب، بل كاختبار لمدى فاعلية الامتثال للمبادئ التي تحكم سلوك
القتال.

أولًا: الوضع القانوني للأطفال في النزاعات المسلحة
يُصنَّف الأطفال كمواطنين مدنيين من حيث الأصل، ويتمتعون بالحماية المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، كما أن البروتوكولات الإضافية لعام 1977 تمنحهم حماية خاصة.
تنص المادة 77 من البروتوكول الإضافي الأول على وجوب احترام الأطفال وتقديم الرعاية لهم وحمايتهم من آثار الأعمال العدائية من خلال اتخاذ التدابير اللازمة، كما تكرّس المادة 4/3 من البروتوكول الإضافي الثاني ضمانات خاصة للأطفال في النزاعات غير الدولية.
تعكس هذه الأحكام مبدأ ثابت في الفكر الإنساني مفاده أن ضعف الفئة يولِّد تشديدًا في واجبات الحماية، لا مجرد مساواة شكلية مع بقية المدنيين.

ثانيًا: مبدأ التمييز كقاعدة حاكمة للاستهداف
يُعد مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين حجر الزاوية في منظومة الاستهداف المشروع. وقد عزّزه البروتوكول الإضافي الأول (المادة 48) ليكون قاعدة أساسية تلزم أطراف النزاع بحصر العمليات العسكرية في الأهداف العسكرية فقط. بناءً عليه، يُحظر توجيه الهجمات ضد المدنيين أو الممتلكات المدنية، وكذلك الهجمات العشوائية.
يُقاس الالتزام بهذا المبدأ بدقة تحديد الهدف، وموثوقية المعلومات، وطبيعة الوسائل المستعملة. حين تكون الضحايا من الأطفال، تكون القرينة المدنية أقوى درجاتها، مما يضيق هامش الخطأ المقبول في التقدير العملياتي.

ثالثًا: مبدأ التناسب وتقدير الضرر المدني
يقيد مبدأ التناسب شرعية الهجوم حتى لو كان الهدف عسكريًا مشروعًا، إذا كان من المتوقع أن يؤدي إلى خسائر مدنية غير متناسبـة مع الفائدة العسكرية الملموسة والمتوقعة بشكل مباشر. وقد ورد ذلك في المادة 51/5/ب من البروتوكول الإضافي الأول.
يخضع تقدير التناسب لمعيار القائد العسكري المعقول في لحظة اتخاذ القرار، اعتمادًا على المعلومات المتاحة آنذاك. غير أن الفقه التطبيقي يقر بأن وجود فئات هشة وبالأخص الأطفال في مراحل عمرية مبكرة يرفع مستوى الحذر المطلوب في التقدير.

رابعًا: الالتزام بالاحتياطات أثناء الهجوم
تنص المادة (57) من البروتوكول الإضافي الأول على وجوب اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة عمليًا لتقليل الخسائر بين المدنيين أو تجنبها. وتشمل هذه الاحتياطات:

  • التثبت الفعّال من طبيعة الهدف
  • اختيار الوسائل الأقل إضرارًا بالمدنيين
  • تعديل الهجوم أو إلغاؤه عند ظهور خطر غير متناسب
  • إصدار تحذيرات مسبقة فعالة حين تسمح الظروف بذلك
    ويقع هذا الالتزام بشكل أقوى في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية أو غير المصنفة كمسرح لعمليات قتال مباشرة.

خامسًا: معيار الحماية القوي للأطفال خارج مناطق الاشتباك
عندما تشير الوقائع إلى أن الضحية طفل في سن مبكرة جدًا وأن الحادثة وقعت خارج منطقة اشتباك نشطة، ينتقل التحليل القانوني إلى مستوى تدقيق أعلى. في هذه الظروف يعزز ذلك:

  • افتراض الطبيعة المدنية للمكان
  • افتراض وجود مدنيين غير قادرين على الاحتماء
  • تشديد واجب التحقق المسبق
  • تضييق هامش الخطأ العملياتي المقبول
    ويؤكد الفقه الإنساني أن بُعد الواقعة عن ساحة القتال المباشرة يزيد من عبء التبرير القانوني على الطرف المنفّذ، ويجعل اختبار الاحتياطات والتناسب أكثر صرامة.

سادسًا: الالتزام بالتحقيق والمراجعة اللاحقة
يتعدى الامتثال للقانون الإنساني الدولي تنفيذ الهجوم ليشمل إجراء تحقيقات فعّالة في الحوادث التي تؤدي إلى مقتل مدنيين. وقد رسّخت الممارسة الدولية واجب التحقيق الجاد كجزء من ضمان احترام القانون الإنساني. ويشمل ذلك:

  • جمع الوقائع الميدانية
  • مراجعة قرار الاستهداف
  • تقييم الامتثال لمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات
  • تحديد المسؤوليات عند ثبوت الانتهاك.

سابعا: المساءلة القانونية الدولية
من حيث المبدأ، فإن مقتل المدنيين — ولا سيما الأطفال — في النزاعات المسلحة قد يفتح مسارات قانونية وفق القانون الدولي الإنساني، إذا توافرت الأدلة والاختصاص القضائي.
تشمل مسارات المقاضاة المحتملة:
▪ المحكمة الجنائية الدولية: في حال تكييف الفعل كجريمة حرب، مع توافر الاختصاص والإحالة القانونية.
▪ محكمة العدل الدولية: عبر دعاوى بين الدول بشأن خرق التزامات حماية المدنيين.
▪ الاختصاص القضائي العالمي: أمام بعض المحاكم الوطنية لجرائم الحرب.
▪ آليات الأمم المتحدة: لجان تحقيق وتقصي حقائق تبني ملفًا قانونيًا توثيقيًا.
شرط أساسي:
توثيق الأدلة — تحديد المسؤولية — تحليل التناسب — مراجعة قرار الاستهداف

ثامنا؛المسارات الإجرائية المتاحة للدولة المتضررة

في الحالات التي يُبلَّغ فيها عن مقتل طفل مدني في سياق عمل عسكري، ، يترتب على الدولة المتضررة قانونًا(لبنان) اتباع مسار إجرائي متدرج يجمع بين التحقيق الوطني والتفعيل الدولي. تبدأ هذه الخطوات بفتح تحقيق قضائي داخلي مستقل لتوثيق الوقائع والأدلة الفنية والطبية وتحديد الطبيعة المدنية للموقع وسياق الحادثة، لما يشكّله ذلك من أساس إثباتي لأي متابعة لاحقة.

ويوازي ذلك تفعيل القنوات الدولية الرسمية عبر المذكرات الدبلوماسية والإخطارات القانونية إلى أجهزة الأمم المتحدة المختصة، وطلب إدراج الواقعة ضمن آليات الرصد أو لجان تقصّي الحقائق. كما يمكن تزويد هيئات الادعاء الدولية المختصة بالمعلومات المتاحة ضمن حدود الاختصاص، ولا سيما في ما يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم الحرب عند توافر شروطها.

ومن الناحية النظرية، يظل مسار مسؤولية الدولة قائمًا أمام القضاء الدولي متى توافر أساس الولاية القضائية، إضافة إلى إمكانية التعاون مع أنظمة قضائية وطنية تطبّق مبدأ الاختصاص العالمي في الجرائم الجسيمة. وتبقى فعالية هذه المسارات مرتبطة بسلامة التوثيق، وجودة الأدلة، ودقة التكييف القانوني للواقعة في ضوء قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات في الهجوم.

تاسعا:القيمة القانونية لمعيار حماية الطفل في تقييم شرعية العمليات العسكرية

يتجه الفقه الحديث في القانون الدولي الإنساني إلى اعتبار مدى حماية الأطفال مؤشرًا نوعيًا على مستوى الامتثال لقواعد النزاع المسلح. فكلما تعلّق الضرر بفئة الأطفال، ارتفع معيار التدقيق في تقييم شرعية السلوك القتالي، سواء من حيث التحقق من الهدف، أو تقدير التناسب، أو كفاية الاحتياطات. وبذلك يتحول معيار حماية الطفل من مجرد ضمانة خاصة إلى أداة تقييم قانوني لمدى انضباط استخدام القوة

الخاتمة
تؤكد القواعد المعاهداتية والفقهية في القانون الإنساني أن حماية الأطفال تمثل مستوى رفيعًا من الالتزام القانوني، وليس مجرد واجب أخلاقي. وتُشير الحوادث التي تستهدف أطفالًا مدنيين، خاصة خارج مناطق الاشتباك المباشرة، إلى ضرورة إخضاع السلوك القتالي لاختبار قانوني دقيق.
إن معيار حماية الطفل في النزاع المسلح يشكل أحد أبرز المؤشرات الدالة على مدى الامتثال للقانون الإنساني الدولي وشرعية استخدام القوة.

By jaber79

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *