لم يكن منتدى دافوس الذي أفتتحت أعماله بتاريخ 19 كانون الثاني 2026 وتستمر حتى غدٍ الجمعة 23 كانون الثاني 2026 مجرد منصة اقتصادية، بل تحول إلى “لحظة استيقاظ” قاسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دخل أروقة المنتجع السويسري ملوحاً بسياط الرسوم الجمركية ومنطق الاستيلاء، ليخرج منها محملاً بتراجعات تكتيكية فرضتها “صفعة” الوعي العالمي الجديد. فبينما كان ترامب يظن أن سياسة “الأوامر” ستكفي لتركيع القارة العجوز وتطويع قوى الشرق الأوسط، وجد نفسه أمام مشهد جيوسياسي معقد، يرفض فيه الجميع دور “التابع”، ويصرون على كتابة قواعد اللعبة بمداد سيادتهم ومصالحهم القومية.
لقد تجلت أشرس فصول هذه المواجهة في الصدام العنيف مع القارة الأوروبية، حيث حاول ترامب ممارسة “ابتزاز جمركي” غير مسبوق بربطه بين الاستحواذ على جزيرة “غرينلاند” وبين فرض رسوم تصل إلى 25% على واردات ثماني دول أطلسية. هذه المحاولة التي وُصفت في أروقة المنتدى بـ “الاستعمار الجديد”، قوبلت بجبهة أوروبية صلبة لم تشهدها العلاقات عبر الأطلسي منذ عقود، حيث ردت بروكسل (مقر الإتحاد الاوروبي ومقر حلف الاطلسي) بلغة الند للند، ملوحة بتفعيل “أداة مكافحة الإكراه” وتعليق الاتفاقيات التجارية الكبرى. وأمام هذا الرفض الوجودي الذي قاده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الاوروبية أورسولا فون دير لاين وهي بالمناسبة مقرّبة من أنجيلا ميركل، اضطر ترامب للتراجع عن وعيده الجمركي خلف ستار “إطار عمل مع الناتو”، في اعتراف ضمني بأن القوة الاقتصادية الأمريكية، رغم عظمتها، لم تعد قادرة على كسر إرادة حلفاء يرفضون المقايضة على سيادتهم أو تحويل أراضيهم إلى قطع في لعبة شطرنج عقارية.
وعلى الضفة الأخرى، لم يكن مشهد “تطويع” القوى الإقليمية (مصر، السعودية، تركيا) أقل تعقيداً، فقد أراد ترامب من “مجلس السلام” الذي أطلقه أن يكون صكاً للتبعية المطلقة، لكنه اصطدم بـ “ندية” مثلث القوة الذي ترفض أقطابه أن تظل ملفات وجودها (كالماء لمصر، والأمن لتركيا، والنمو للسعودية) أوراق ضغط في اليد الأمريكية. فبدلاً من الاستفراد بكل دولة، برز في دافوس تنسيق إقليمي عالي المستوى، حيث فرضت هذه الدول شروطها للانضمام للمجلس، مؤكدة على أولوية القانون الدولي وحقوق الشعوب، ومحولةً المبادرة الأمريكية من “إملاءات فوقية” إلى “ساحة مساومة” حقيقية. هذا التماسك أرسل رسالة واضحة مفادها أن استراتيجية “الجروح المفتوحة” التي تديرها واشنطن لم تعد مجدية أمام دول بدأت في تحصين نفسها عبر تنويع تحالفاتها وتصفير خلافاتها البينية، لتصبح هي “الرقم الصعب” في معادلة أي استقرار قادم.
إن تراجعات ترامب في دافوس، سواء أمام “العناد الأوروبي” أو “الندية الإقليمية”، لا تعكس تغيراً في قناعاته، بل هي مناورة اضطرارية أمام واقع أثبت أن العالم في 2026 لم يعد يحتمل التغريدات الصادمة كبديل للدبلوماسية الرصينة. لقد أيقظت “صفعة دافوس” الإدارة الأمريكية على حقيقة أن القيادة الدولية لم تعد تعني “السيطرة”، بل أصبحت تتطلب “الشراكة”، فالعالم الذي حاول ترامب خنقه بالرسوم والضغوط، هو نفسه الذي أجبره في النهاية على الجلوس إلى الطاولة مفاوضاً، لا آمراً، وليس بعيداً كثيراً بل من داخل المؤتمر وبينما كان ترامب يحاول الضغط على حلفائه (أوروبا والعرب)، وجد أن هؤلاء الحلفاء يفتحون قنوات حوار مع الصين في دافوس، في حين يضطر هو للتفاوض “من تحت الطاولة” مع الروس لتمرير مشاريعه ومنها موافقة روسيا الإنضمام لمجلسه العالمي للسلام .
لقد شاهد ترامب بعينيه “التنين” الصيني ومن خلفه الدب الروسي يوزعان الإبتسامات الباردة متيقنين أن “النسر الأصلع”الأميركي قد هرمت أجنحته بانتظار القادم من الأيام.

By jaber79

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *