
النشوة التي تسكن البيت الأبيض اليوم ليست مجرد فرح بنصر عسكري في كراكاس، بل هي ولادة “عقيدة القوة العارية”. فبعد أن طويت صفحة فنزويلا في مطلع يناير 2026 بعملية “العزم المطلق” الخاطفة، باتت واشنطن تنظر إلى خريطة تحالفاتها السابقة لا كشبكة من الحلفاء، بل كساحة من الأتباع والمحميات.
في عقلية ترامب المنتشية، لم يعد هناك مكان للمجاملات الدبلوماسية، فإذا كانت فنزويلا قد سقطت في ساعات أو دقائق لتأمين “الباحة الخلفية” وضمان تدفق النفط، فإن غرينلاند هي الثمن المطلوب لبناء “القبة الذهبية” للدفاعات الصاروخية الأميركية.
هذه “النشوة الإمبراطورية” ولّدت رؤية جديدة تقضي بأن حلف الناتو، بجلساته الطويلة ونقاشاته العبثية حول السيادة والقانون، أصبح “عبئاً تاريخياً” على الكاهل الأمريكي. بالنسبة لترامب، لم تعد هناك حاجة لحلف يحمي دولاً يصفها بأنها “تقتات على الضرائب الأمريكية”، البديل هو نظام “النهب مقابل الحماية”. رسالته للدنمارك وأوروبا واضحة وصادمة: “نحن نحميكم من روسيا والصين، إذاً نحن نملك ثرواتكم، ومواقعكم، وقراركم” وزمن مصالحكم السيادية قد ولّى.
في المقابل، تعيش العواصم الأوروبية اليوم حالة من “الذهول الجيوسياسي”. الصدمة ليست في الرغبة الأمريكية بامتلاك غرينلاند، بل في اكتشاف أن “الحليف القائد” قد استبدل ميثاق الدفاع المشترك بعقد إذعان .
في 6 يناير 2026، خرجت رئيسة وزراء الدنمارك، مته فريدريكسن، بصرخة هي الأقوى في تاريخ القارة، محذرة من أن أي تحرك عسكري أمريكي تجاه الجزيرة لن يكون مجرد خلاف، بل سيعني “نهاية حلف الناتو” ونهاية النظام الأمني الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
لقد استيقظ حلفاء الأمس على حقيقة أنهم بالنسبة لواشنطن مجرد رهائن لمصالحها . أوروبا التي كانت ترى أمريكا ضمانة أمنها، تجد نفسها اليوم أمام واقع “الطلاق الاستراتيجي” حيث لم يعد الناتو صمام أمان، بل أصبح الجدار الذي يتشقق من الداخل بفعل ضربات أقوى أعضائه. هؤلاء الذين كانوا يثقون بالمظلة الأمريكية، يشاهدون الآن كيف تتحول هذه المظلة إلى قبضة تطالب بـ “المستعمرات” بدلاً من الشركاء.
إنها لحظة الحقيقة الموحشة، حيث لم تعد “السيادة” مادة يحميها القانون الدولي، بل أصبحت سلعة للمقايضة في عالم “الصفقات الكبرى”. وأوروبا المصدومة تدرك الآن، ربما بعد فوات الأوان، أن العالم الذي كانت تديره ما تسمّى “القيم المشتركة” والتي كان الأميركي على رأس المروّجين لها في الماضي قد انهار، ليحل محله منطق الإمبراطورية التي لا ترى في العالم إلا بنوداً في صفقة، ولا ترى في الحلفاء إلا تابعين عليهم دفع الثمن.. نقداً أو أرضاً.
